موقع أخبار تطوان 24
آخر الأخبار :

رجــالات مـــن الـــريــف: أحـمـد الـبـوعـيـاشـي*


رجــالات مـــن الـــريــف:
أحـمـد الـبـوعـيـاشـي*

فؤاد الغلبزوري

اخترنا لقرائنا الكرام في هذه الحلقة شخصية علمية وأدبية بامتياز، جمعت بين المسرح والرواية والقضاء والكتابة التاريخية، وأغلب الظن أن جيلنا الصاعد، إن لم أقل حتى السابق لايعرف عنها شيئا، شخصية مغربية / ريفية أغنت المشهد الثقافي المغربي طوال العقود الماضية من القرن المنصرم، وساهمت بفعالية ـ إلى جانب آخرين قلائل ـ في إبراز الجانب الفكري والثقافي لأبناء هذه المنطقة المنسية، وإعطاء صورة مشرقة لهاته البقاع التي ظلت سدا منيعا للبلاد ضد الاستعمار، ومن ثمة استبعاد المقولة الشائعة من أن الريف ليس أرض العلماء والمفكرين، بل هو ريف الجهاد والبارود فحسب.
يتعلق الأمر هنا بالأستاذ الباحث البوعياشي أحمد بن عبد السلام بن الحاج محمد الربضاوي، المعروف اختصارا بأحمد البوعياشي، يتصل نسبه بالمرابط سيدي موسى بن حدو دفين قرية أكاونو من أسرة إحدوثان، بجبل حمام ببني ورياغل أكبر القبائل الريفية، وأهله ينتسبون إلى الشرفاء الأدارسة كما ذكر ذلك بنفسه في الجزء الأول من كتابه الموسوم ب(حرب الريف التحريرية ومراحل النضال) الصادر عن مطبعة دار أمل بمدينة طنجة سنة 1974. ولد البوعياشي كما هو مثبت في الواجهة الخلفية لأحد مؤلفاته في رابع عشر دجنبر من سنة 1917، في قرية تدعى الربضة بمنطقة بني بوعياش بإقليم الحسيمة، حفظ القرآن بمسجد (مسيد) قريته وتلقى علومه الأولى في الفقه والنحو والتوحيد، على يد الفقيه محمد بن محمادي التوزاني الحساني، والفقيه المؤقت بوشعيب التمسماني، ثم انتقل إلى العاصمة العلمية للمملكة فاس لتوسيع معارفه الدينية، فأخذ العلم عن رئيس المجلس العلمي بها مولاي عبد الله الفضيلي العلوي، ووزير العدل عبد الرحمان بن القرشي الفيلالي ومحمد أقصبي وغيرهم، إلا أنه لظروف الحرب الأهلية الإسبانية وتأثيراتها المختلفة على شمال المغرب بالخصوص، اضطر لمغادرة فاس سنة 1936 بضغط من والده الحاج عبد السلام البوعياشي، الذي كان زمن المقاومة الريفية بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي وزيرا للحربية، والمتوفى في رمضان سنة 1365هـ الموافق لسنة 1945م، فولاه الإسبان سنة 1937 القضاء في قبيلة سماتة جهة مدينة العرائش، وفي السنة الموالية أي 1938 عين بمدينة تطوان عضوا بالمجلس الأعلى للتعليم، حيث بدأ هناك في إعطاء دروس في الجامع الكبير في مواد النحو والفقه والأصول، حتى حطت الحرب أوزارها بالجارة إسبانيا سنة 1939، إذ سيرجع إلى سابق عهده في ممارسة مهنة القضاء ولكن هذه المرة بالريف، متنقلا في ذلك بين الوطاء وبني بوعياش إلى غاية 1958، وهي السنة التي أعفي فيها من القضاء وأخذ يمارس مهنة التدريس بمدينة الحسيمة، حيث كان أستاذا مقتدرا لمادتي التاريخ والجغرافيا بثانوية "باطروناتو"، التي أصبحت فيما بعد ملحقة لنيابة التعليم قبل أن تغلق عقب زلزال الحسيمة سنة 1994، لتهدم نهائيا أواسط سنة 2007 بعد أن أضحت تشكل خطرا كبيرا على المارة؛ كما كان أيضا حارس عاما بنفس الثانوية المذكورة، وخلال هذه الفترة ساهم الأستاذ البوعياشي في تأطير العروض المسرحية بتلك الثانوية، دون أن ننسى تحمله لمسؤولية إدارة الجمعية الخيرية الإسلامية بالحسيمة.
واستمرارا لمشواره المهني الناجح، سيعين الأستاذ البوعياشي بتاريخ 16 يناير 1961 قائدا في العيون التابعة لعمالة وجدة، وسيرقى في العشرين من أبريل سنة 1963 إلى منصب قائد ممتاز، ليعين بمدينة تطوان قائدا لدائرة جبالة، وفي الثالث والعشرين من أبريل سنة 1966 سيعين نائبا لوكيل الدولة في المحكمة الإقليمية بتطوان ثم نائبا لرئيس المحكمة بها، ونقل بهذه الصفة إلى طنجة حيث ظل هناك إلى غاية تقاعده، ليتحول بعد ذلك إلى مهنة المحاماة بمدينة الحسيمة، إلى أن وافاه الأجل المحتوم بمنزله يومه الاثنين ثامن أبريل سنة 1985م، ودفن بمقبرة المجاهدين بأجدير.
ومن المؤلفات التي تركها بعد رحيله والبحوث التي أنجزها قيد حياته نجد:
1 ـ (حرب الريف التحريرية ومراحل النضال) في جزأين الذي صدر سنة 1974 عن مطبعة دار أمل بمدينة طنجة، وفاز عنه بجائزة المغرب للكتاب سنة 1976 تقديرا لمكانته العلمية، وإسهاماته المتواصلة وحفرياته العميقة في تاريخ الريف الحديث منه والمعاصر.




2 ـ (الثائر المهزوم) وهي الحلقة الثالثة من أبحاث الريف، وهي عبارة عن رواية تاريخية صدرت سنة 1968 عن مطبعة كريماديس بتطوان، سرد فيها قصة اعتقال المتمرد الجيلالي الزرهوني الملقب ب"بوحمارة" بالريف، وانتهاء أسطورته التي شغلت بال الرأي العام المغربي خلال تلك الفترة العصيبة من تاريخ المغرب.
3 ـ (الريف بعد الفتح الإسلامي) صدر بمدينة تطوان سنة 1954، تحدث فيه عن تاريخ بلاد النكور.
4 ـ (الفدائية في الإسلام).
5 ـ بحث مستفيض في حدود الصحراء المغربية.
6 ـ كتاب حول مدينة بادس التاريخية ومعالمها الأثرية، وهي الحلقة الثانية من أبحاث الريف.
7 ـ بحث تاريخي في شكل قصة تحت عنوان (يوم أغر لنصر العرش العلوي في الريف) نشر سنة 55 - 1954 حول بوحمارة وهزيمته بالريف.
8 ـ ميثاق قبائل الريف في سبيل العرش العلوي، علاوة على العديد من الأبحاث والندوات والمحاضرات المتفرقة هنا وهناك.
إن كتب المرحوم البوعياشي مفقودة من الأسواق منذ مدة طويلة، دون أن يقوم ورثته بإصدار طبعات جديدة منها، ودون أن تقوم وزارة الثقافة بالدور المنوط بها في هذا المجال؛ ولابد أن نشير قبل أن ننهي حديثنا عن هذه الشخصية الفذة، إلى أن كتابه حول حرب الريف التحريرية بجزأيه، أثار ردود فعل متباينة إبان صدوره، كما أثار حفيظة بعض المهتمين بتاريخ المنطقة، الأمر الذي دفع بأحد أبنائها وهو السيد محمد محمد عمر القاضي المعروف ب" بورمناظا"، إلى إصدار كتابه (أسد الريف محمد عبد الكريم الخطابي: مذكرات عن حرب الريف) عن مطبعة ديسبريس بتطوان سنة 1979، والذي أعاد أبناءه طبعه سنة 2007 مع ترجمته إلى اللغة الفرنسية من قبل أستاذ الفلسفة بكلية الآداب بفاس الدكتور عزالدين الخطابي، ثم باللغة الإسبانية بعد ذلك، كما إن الكتاب ذاته كان موضوع مراسلات عديدة تمت بين ابن المنطقة السيد أحمد الحتاش مدير ديوان السيد وزير العدل في تلك المرحلة، وبين شخص يدعى عبد العزيز القادري القيسي حسب الوثيقة التي نتوفر عليها.
ورغم كل ماقلناه عن شخصية الأستاذ البوعياشي رحمه الله، فإن جهودا مكثفة لأبناء المنطقة خاصة من طلبة وباحثين ومهتمين، يجب أن تبذل للنبش في مثل هذه الجوانب المنسية من تاريخ الريف، ومن ثمة إخراج هذا التاريخ من غياهب النسيان إلى التداول من جديد، قصد استكمال حلقات تاريخنا المفقود أو المغيب قسرا وما أكثرها، فهل نحن لهذا فاعلون ولنميمة المقاهي تاركون؟ وعلى العمل الجدي مقبلون؟.
الغلبزوري فؤاد
الـهـوامـش:
* للأمانة العلمية، لابد من الإشارة إلى أن نفس المقال، سبق نشره مع تغيير في العنوان، في جريدة "تيفراز نءاريف" أي معالم الريف التي كانت تصدر من الحسيمة، في العدد 24 لشهر أكتوبر سنة 2007، أعيد نشره هاهنا مع بعض التعديلات تعميما للفائدة.
1 ـ (التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين من 1900 إلى 1972) عبد الله بن العباس الجراري، الجزء الأول، ص.ص. 40 - 39.
2 ـ (معلمة المغرب)، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، تحت إشراف المرحوم محمد حجي، مطابع سلا - المغرب، الجزء السادس، ص.ص.1816 - 1815.
3 ـ روايات شفوية.
4 ـ (وردت إشارة في الجزء الرابع من كتاب الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله (الموسوعة المغربية للأعلام البشرية والحضارية) الصادر سنة 1981 عن مطبعة فضالة بالمحمدية، إلى أن ترجمة الأستاذ البوعياشي موجودة بالجزء الثالث قسم أحمد، بيد إني لم أجدها في الجزء المعلوم رغم بحثي عنها لأكثر من مرة.




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouan24.com/news2568.html
نشر الخبر : هيئة التحرير
عدد المشاهدات عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات