موقع أخبار تطوان 24
آخر الأخبار :

يهود شمال المغرب في الصحافة الاسبانية: الذاكرة المكسورة

د. احمد احدوثن

مؤخرا اصبح موضوع الكتابة عن يهود شمال المغرب موضوعا مغريا... بالنسبة لبعضهم... وهي كتابة تعتمد تقنيات الدمج ما بين النص المعيش (الافتراضي) وبين النص المكتوب مع انتقائية التوثيق... ويبــــقي من الوارد ان يسقط اصحابها في المحذور، بمعني الانزياح الي الاثارة الاعلامية والتضـــــــليل المعرفي... ذلك ما يمكـــن مقاربته من خـــــــلال كتابات استير بن داحـــان Esther Ben Dahan، (وهي كاتبة يهودية من مواليد مدينة تطوان)، وبالاساس من خلال مقالها المنشور في جريدة الباييس (29 آذار ـ مارس 2006)، تحت عنوان يهود شمال المغرب: الذاكرة المكسورة ...
تقول الكاتبة اليهودية التطوانية في مقدمة الكتاب: يحتفل المغرب بالذكري الخمسين لاستقلاله (...) قدم مؤخرا الي تطوان وفد من يهود السفرديين يتشكل من 300 فرد، وقد زاروا المقبرة اليهودية بنفس المدينة تحت حراسة رجال الامن والجيش المغربي !
وهنا نتساءل: الم تسقط الكاتبة التطوانية في الاثارة والتهويل الاعلامي، عندما ذهبت الي القول ان حراسة الوفد لم تقتصر علي رجال الامن بل استدعي الامر مشاركة الجيش؟ من اين اتت صاحبتنا بهذه المعطيات؟ هل ارادت من وراء ذلك الايحاء بوجود انفلات امني ناتج عن الخطر الاصولي ؟ اسئلة الي جانب اخري تبقي مفتوحة...
وتضيف الكاتبة في نفس المقال:
عند احتلال الاسبان لتطوان (1860 ـ 1862)، احس اليهود بالفرح لقدومهم... وبالامل في تحسين اوضاعهم... . وكذلك، حزنوا لانتهاء الاحتلال الذي دام سنتين... ، كما اشار الي ذلك فرناندو بالدراما مارتينيز في كتابه، تاريخ العمل الثقافي لاسبانيا في المغرب: 1912 ـ 1956 (تطوان ـ 1955 ـ ص 286). لماذا احسوا بالفرح عند دخول المستعمر وبالحزن عند خروجه؟ سؤال يستدعي التأمل. وقد اعفتنا الكاتبة التطوانية من الاجابة عنه عندما قالت:
بداية الحماية منحت يهود شمال المغرب شكلا من اشكال الاستقرار والامان... وكانت مناسبة لليهود السفرديين لكي يجددوا اللقاء مع اسبانيا بعد طردهم منها في القرن 15... الحماية (الاستعمار) الاسبانية لشمال المغرب هي بالنسبة لهم شكل من اشكال العودة... انطلاقا من 1948 مع ظهور دولة اسرائيل، حدث تغيير في وضعية يهود الحماية الاسبانية... وبدات رحلة الهجرة الي المنفي، هجرة سرية بموافقة الحكومة الاسبانية . ونتساءل: كيف احس يهود شمال المغرب بالفرح لقدوم المستعمر الاسباني الذي احتل جزءا من البلد الذي عاشوا فيه اكثر من 2000 سنة، وفي هذا السياق، يري فيبيراس في كتابه ملاحظات حول الاسلام (العرائش 1939، ص 12): فيما يخص تواجد اليهود في المغرب، يعتقد انهم قدموا الي المغرب في القرن الثالث قبل الميلاد. وكانت الطوائف والمذاهب اليهودية منتشرة ما بين القبائل البربرية بنفس القدر او اكثر من الطوائف المسيحية؟ .
الم يحتضنهم المغرب بعد طردهم من الاندلس بقرار ملكي/ كاثوليكي صادر في 31 آذار (مارس) 1492؟. الم ينعم اليهود المغاربة بالامن الثقافي والديني والمادي عبر تواجدهم الطويل بالمغرب باستثناء فترات قليلة، لم تقصر عليهم بل مست كذلك باقي الاعراق والاثنيات في سياقات اخري؟
حسب وجهة نظر الكاتبة، احس يهود شمال المغرب بالامن فقط عند نهاية القرن التاسع عشر، وفي بداية الحماية. وهي مناسبات جددوا فيها اللقاء مع اسبانيا.. . علي حد قولها. علي ارض من؟ طبعا علي ارض المغرب المحتل من طرف اسبانيا. وللتذكير(!!) فهي ما زالت تحتل اجزاء متفرقة من اراضيه الي الآن.
الم تقل الكاتبة: ان وجود الاستعمار الاسباني في شمال المغرب شكل بالنسبة لليهود شكلا من اشكال العودة . (!؟)
وتمضي الكاتبة في قراءتها التاريخية الآثمة، لتضيف:
بعد قيام دولة اسرائيل بدات هجرة يهود الشمال بطريقة سرية وموافقة الحكومة الاسبانية . وهنا نلمس سقوطها في تناقض سافر. فكيف يمكن ان تكون الهجرة سرية وبموافقة الحكومة الاسبانية المستعمرة في آن واحد؟
لقد كانت هجرة يهود شمال المغرب الي اسرائيل اساسا واوروبا وامريكا الجنوبية وحتي الشمالية، هجرة منظمة ومعلنة ومراقبة بالتنسيق وموافقة الحكومة الاسبانية المستعمرة، وقد امتدت ما بين 1948 و1956، وساهمت في التخطيط لها والاشراف عليها الحركة الصهيونية العالمية بالاساس، الي جانب اطراف اخري. والمهم الاشارة الي ان هذه الهجرة تزايدت ما بين 1956 و1967 بفعل تاثيرات الحروب العربية ـ الاسرائيلية، وبفعل كذلك الضغط الدولي الذي مورس علي المغرب حتي يسمح بخروج مواطنيه اليهود. نقول ذلك دون ان نغيب اهمية قرار الدولة المغربية سنة 1976 بعدم اسقاط الجنسية المغربية عن اليهود المغاربة الذين هاجروا في المراحل السابقة، وبذلك يمكنهم العودة الي بلدهم متي شاؤوا باعتبارهم مواطنين مغاربة.
طبعا لم تشر الكاتبة الي كيف استطاع التحالف الاسرائيلي العالمي (الذي تاسس في آذار ـ مارس 1860، باريس)، ان يتسرب الي المغرب في فترة ما قبل الحماية (1860 ـ 1913)، ويفتح فيه 25 مدرسة تابعة له، اولاها في تطوان سنة 1862 ثم طنجة 1865 ثم العرائش 1902...؟
لماذا شدد طوماس بارسيا في بيراس في كتابه المغرب : علي ضرورة ان تفصل اسبانيا ما بين (مصالح) اليهود السفرديين و(مصالح) اليهودية العالمية!.. . (تطوان 1940 ص 57). وكيف راسلت الجالية اليهودية في تطوان الحاكم الاسباني العام في الشمال سنة 1938، طالبة منه الترخيص لها بفتح معهد الدراسات العليا التلموذية (رخص له في تشرين الثاني (نوفمبر) 1946 باسم مركز الميمونيين ـ نسبة الي الفيلسوف اليهودي الاندلسي ابن ميمون)، مستخدمة عبارة نحن الجالية اليهودية المعتزة باسبانيتها.. . دون الاشارة الي المغرب، وهنا يطرح بحدة السؤال حول: ولاء الاقليات الثقافية والدينية، هل يجب ان يكون ولاء للوطن ام للسلطة الحاكمة؟ سؤال ما زال يحافظ علي راهنيته.
الغريب في مقال استير بن داحان انها لم تتكلم بتاتا في مقالها (دراستها!) عن طرد وتقتيل وتمسيح اليهود السفرديين في القرن 15 وبداية القرن 16 في اسبانيا واضطرارهم (يقدر عددهم بما يزيد عن مئة الف فرد) الي اللجوء الي المغرب والاستقرار فيه الي جانب من سبقهم... وهو تعايش لم يحدث في اي بلد آخر. لكنها تحدثت باسهاب عن الدفء اليهودي الاسباني في مرحلة الحماية الاسبانية لشمال المغرب.
وتضيف الكاتبة: في العالم العربي يتكرر الحديث عن جرائم الدم (التطهير العرقي) الذي مورس علي اليهود في اوروبا القرون الوسطي. المغرب لا يبتعد كثيرا عن هذا الاتجاه. لاجل ذلك، فالحضور الاسباني في الشمال طمان الجاليات اليهودية، ومع خروجه، ازدادت اعدادههم في رحلة المنفي وازدادت عوائق الهجرة.. .
حول ذلك نري ان عوائق خروج يهود الشمال او ما سمته الكاتبة بـ الهجرة لم تزدد بعد خروج المستعمر الاسباني واستقلال المغرب، بل انعدمت نظرا للظروف السياسية (الانتقالية) الداخلية وكذلك للضغوطات السياسية الخارجية. وهنا نستحضر حادثة سفينة المهاجرين اليهود المغاربة التي غرقت قبالة ساحل الحسيمة سنة 1961 وهي متجهة الي اسرائيل، لقد كانت تحت قيادة قبطان ومساعد كلاهما من جنسية اسبانية.
اما التلميح الي حدوث شكل من اشكال جرائم الدم (التطهير العرقي) ضد اليهود بالمغرب، ومقارنة (او مساواة ذلك) بما حدث ليهود الاندلس بعد انتهاء الحكم العربي فيها، فهي قراءة تدخل في باب خيانة التاريخ والتاريخ.
ولدت الكاتبة اليهودية استير بن داحان في تطوان سنة 1964، وغادرتها سنة 1971... نشرت مؤخرا سيرة ذاتية تحت عنوان تخلي عنها، سنعود D‚jalo، ya volveremos، استحضرت فيها ذكريات الطفولة البريئة قبل وبعد المغادرة. وهي السيرة الذاتية التي نعتبرها استمرارية لقراءتها الماكرة لتاريخ التواجد اليهودي في شمال المغرب. وفي هذا السياق، فهي تقول ان عنوان الرواية ملتقط من ذاكرتها المعيشة/ المضطهدة(!؟)، وبالتحديد من يوم مغادرتها لتطوان. فهي لم تنس (!؟) وهي طفلة عندما ذكرت والدها بانه نسي جمع ملابسها، فاجابها: تخلي عنها، سنعود .
وهي بذلك توحي للقاريء ان هجرة عائلتها تمت في تسرع وهرولة وهلع، نظرا لوجود خطر داهم !؟، لم يمكن الاب حتي من جمع متاع اسرته !؟
لقد ضاع امن اليهود في تطوان مع ذهاب المستعمر الاسباني...(!؟). خطاب آثم مررته الكاتبة من خلال سيرتها الذاتية بشكل غير مباشر (نشرت 2006)، ومن خلال مقالتها السابقة الذكر بشكل مباشر... مقالة صحافية وسيرة ذاتية في خدمة التضليل المعرفي والاعلامي، وهنا تتحول الذاكرة المكسورة للكاتبة الي ذاكرة متواطئة.
سيرة ذاتية تحكي: تنقب في هروب السفرديين من شمال المغرب ، كما عنون احدهم تعريفه بها في مقالة صدرت في جريدة الموندو الاسبانية يوم 31 آذار (مارس) 2006. ويبدو لي (ولكاتب المقال) ان هذا العنوان اكثر دلالة عن مضمون السيرة الذاتية وعنوانها الاصلي تخلي عنها، سنعود .
هروب اليهود السفرديين من المغرب (!؟)، ما اعرف هو هروب الكثير من اليهود الي شمال المغرب، وبالتحديد الي مدينة طنجة عندما اجتاح النازيون وسط افريقيا في اربعينات القرن العشرين . كما اشار الي ذلك فيبيراس في كتابه دراسات حول المغرب ، (تطوان 1953، ص 398)، وقبل ذلك هروب عشرات الآلاف من اليهود السفرديين الي المغرب وبالاساس شماله لاسباب جغرافية، (في القرن 15 وما بعده)، وفيه عاشوا وتعايشوا ولقرون عديدة الي ان ولدت الكاتبة استير بن داحان التي هي حفيدتهم لتكتب وتغيب باصرار مسبق: ان المغرب، وعلي امتداد قرون عديدة، ظل البلد الوحيد الذي يتجسد فيه التعايش بين الديانات الثلاث، وهو تعايش لم يكن مقبولا فقط علي المستوي الشعبي، بل كذلك علي المستوي السياسي... . كما ذهب الي ذلك الباحث والكاتب العام للمؤسسة الثقافية اليهودية المغربية شمعون لي ـ ? ـ ي ، في مداخلة له القاها مؤخرا بالدار البيضاء ضمن الفضاء الحداتي للتنمية والتعايش .

مراجع اسبانية مفيدة:
ـ فرناندو بالدراما مارتينيز: العمل الثقافي الاسباني في المغرب، 1955.
ـ فبيراس طوماس بارسيا: المغرب (عمل اسبانيا في شمال افريقيا) / 1940.
ـ فبيراس طوماس بارسيا: دراسات حول المغرب / تطوان 1953.
ـ فبيراس طوماس بارسيا: ملاحظات حول الاسلام في المغرب / العرائش 1939.
ـ رافاييل رودا: مختصر حول سوسيولوجية المغربي/ سبتة 1939.



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouan24.com/news2579.html
نشر الخبر : هيئة التحرير
عدد المشاهدات عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات