موقع أخبار تطوان 24
آخر الأخبار :

الموريسكيون في المغرب من خلال الدراسات الإسبانية

الدكتور نجيب الجباري
أستاذ باحث - طنجة

من نافلة القول إن بلاد الأندلس قد حظيت خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي باهتمام كبير وعناية ملحوظة من قبل عدد كبير من الدارسين والباحثين الجامعيين في كثير من الأقطار العربية والأجنبية، في شكل مقالات أو مؤلفات مستقلة تمثل حصيلة مجهوداتهم، وهي اتجاهات منهجية متنوعة وتصورات متباينة عن ذلك الصقع القصي من الغرب الإسلامي، وعن جوانب من الحياة الأندلسية التي ظلت غامضة ومبهمة آمادا طويلة.

لقد انصب الاهتمام بالتراث العربي والإسلامي في بادئ الأمر على المشرق نتيجة قيام الدول العربية الإسلامية الكبرى فيه، وتأثيره البيّن على كل أنحاء العالم الإسلامي شرقه وغربه. إلا أن هؤلاء الدارسين المحدثين أدركوا أهمية الالتفات إلى الأطراف الغربية التي كان لها دور فعال في مسيرة التاريخ والحضارة العربية الإسلامية. هذه الحضارة التي أثرت بشكل مباشر بواسطة احتكاكها بالغرب، على الحضارة الإنسانية قاطبة، ومنحتها دفعة قوية إلى الأمام.

وقد اضطلع بمهمة التتبع والبحث والكشف عن خبايا الأندلس وأسرارها الأصيلة، ودورها في تأصيل الحضارة الإنسانية عامة، بعض المستعربين والمستشرقين وفي طليعتهم الباحث "ميغيل لافوينتي ألكنترا" بكتابه


"تاريخ غرناطة"، و"كيين روبليس" بكتابه "تاريخ مالقة"([1])، وأعمال "لويس فرنانديث" و"خوان طوريس فوينتيس"، وأعمال فقيد البحث الغرناطي "لويس سيكودي لوثينا باربديس" الذي كرّس كل مجهوداته لغرناطة في القرنين الثامن والتاسع الهجريين وخصهما بما يزيد عن خمسين مقالة، علاوة على مؤلفيه "غرناطة في القرن الخامس عشر" و"محمد التاسع سلطان غرناطة"([2])، وأعمال الباحثة الفرنسية "راشيل أريي" وخاصة أطروحتها حول "إسبانيا المسلمة على عهد النصريين".

ثم كتاب "إسبانيا الإسلامية والمسيحية في بداية العصر الوسيط" لمؤلفه "طوماس كليك" Thomas Glick([3])، والدراسة القيمة التي أنجزها الدكتور "دومنيك أورفوا" حول "عالم العلماء الأندلسيين من القرن الخامس الهجري إلى القرن السادس الهجري" وهو بحث يعكس عالم العلماء الثقافي والحضاري بالدرجة الأولى، كما تعكس هذه الدراسة شريحة اجتماعية عصرية.

إن مثل هذه النماذج المقتضبة إنما تدل على مدى الاهتمام المتزايد والرغبة المتكررة في الإطلاع على عطاءات وإنجازات الآخر. وقد حدث هذا بالفعل مباشرة بعد سقوط غرناطة في الثاني من يناير 1492 م، وإن لم يذهب معها كل أثر إسلامي، بل ظل بالعكس وربما حتى اللحظة الراهنة باديا في سحنات الوجوه ولون العيون وعبق التراث والثقافة العربية الإسلامية.

ومن الموضوعات المهمة التي استأثرت باهتمام الباحثين والدارسين الاسبان موضوع المورسكيين والحالة الاجتماعية والثقافية التي عاشوها في بلاد المهجر بعد طردهم من الأندلس إبان سقوطها.


فمن هم الموريسكيون وما هي مأساتهم؟

الموريسكيون هم العرب المنتصرون من بقايا الأمة الأندلسية المغلوبة الذين عاشوا تحت الحكم الاسباني بعد إرغامهم على التنصير زهاء قرن من الزمن منذ سقطت غرناطة حتى أصدر الملك فيليبي الثالث في عام 1609 قرارا بطردهم من اسبانيا بعد أن يئست المحاولات المتعددة والمتعاقبة من تحويلهم عن دينهم واعتناق المسيحية ولكن دون جدوى، فاضطروا إلى مغادرة أراضيهم إذ منحوا مهلة قصيرة فازدحمت الطرقات بهم واشتد الإقبال على البواخر المنطلقة من السواحل الاسبانية نحو شمال افريقيا وغيرها.

«وقد استقر هؤلاء في أنحاء مختلفة من اسبانيا والبرتغال والمغرب وتونس وفرنسا، بل وصل بعضهم إلى القارة الأمريكية»([4]).

ويرى الدكتور الحسين بوزينب أن الموريسكي: «طرف إسباني انصهر فيه العنصر العربي بالعنصر الأوروبي ولذلك ليس في استطاعتنا اليوم أن نأتي بالبرهان القاطع على صفاء دم الاسبانيين الذين لم يشملهم قرار الطرد سنة 1609 م من العنصر المغربي العربي، كما لا نستطيع أن نبين صفاء دم من طردوا من العنصر الإيبيري، هذا فإن بعض المؤرخين يغالطون حينما يقدمون الموريسكيين وكأنهم شعب عربي بقي في اسبانيا، لكن مفاهيم القرون الوسطى لم تكن تسمح بالتصرف بغير الطريقة التي تم سلوكها، وعلى أي حال فإن المسلمين وهم الأغلبية واليهود هم الأقلية طردوا من بلادهم وكأنهم أجانب»([5]).

وشكل الفوج المطرود سنة 1609 م هو الخامس حيث سبقه الفوج الأول سنة 1483 م والثاني سنة 1493 م والثالث 1502 م والرابع 1571 م. والتاريخ يشهد على أن البشرية لم تعرف مأساة تماثل "مأساة الأندلس" التي


تكبدها شعب مسلم كان يوجد في وطنه الأصلي، عمره أسلافه لمدة ثمانية قرون، وكانوا يعتبرون أنفسهم من نبت الأندلس وبالتالي أصحابها الشرعيين، غير أن زمام الأمور قد فلتت من أيديهم ولم تعد لهم قوة لاسترجاع ما ضاع.


الموريسكيون بالمغرب

بالنسبة لأولئك الذين اختاروا الإقامة في المغرب، فقد وجدوا فيه كل عناية وترحيب في كل مكان نزلوا به (تطوان وشفشاون، وفاس والرباط وسلا، وبعض بوادي شمال المغرب) فاستفادت من خبرتهم ومهارتهم في سائر مرافق الحياة اليومية سواء تعلق الأمر بالفلاحة أو التجارة أو الشؤون الثقافية والعلمية. احتضنت كل من تطوان وشفشاون الطبقات العامة في غالبيتها، في حين احتضنت الرباط وفاس طبقة العلماء والأدباء والأغنياء، أما سلا فقد استوطنها القراصنة من الموريسكيين، ومنهم من وصل إلى مدن مراكش وآسفي وجهات أخرى من المغرب.

وبالجملة؛ فإن الموريسكيين الذين وصلوا إلى المغرب وأقاموا به أتوا بصفة خاصة ضمن المطرودين من إكستريما دورا، وقشتالة وأندلوثيا، والتحموا بالغرناطيين الذين سبقوهم إلى المغرب من قبل.

وقد حافظت تلك الجماعات على أسمائها وألقابها الأندلسية حتى اليوم، ومنهم من احتفظ بمفاتيح منازلهم التي حملها أجداده على سبيل الذكرى نذكر منهم داود ومدينة وبيرميجو وأراغون وقشتول ومرينون وقشتيلو ولقاش والعطار وغيرهم. وقد قام الباحث محمد بن عزوز حكيم بتوثيق الألقاب التي كانت تتخذها أسر موريسكية نزلت بتطوان شمال المغرب وهي أسماء قشتالية اصلا، أو هي قشتالية نطقا عربية أصلا، أصبحت أسماء لأسر عربية مسلمة أريد لها أن تكون قشتالية.

وكان لاستقرار الأندلسيين في المغرب الأثر الكبير في ازدهار حركة العلوم والآداب والفنون والمعمار والصناعة.

أما عن مصير اليهود الاسبان الذين صدر في حقهم مرسوم الطرد من بلادهم التي عاشوا فيها قرونا طويلة، فقد استطاعوا في السنوات الأخيرة وتحت ضغط امبريالي صهيوني وإسلامي تشهيري أن ينتزعوا من الحكومة الاسبانية اعتذارا رسميا وعلنيا عما صدر من حكم سبب في طردهم من اسبانيا، دون الإشارة ولو بكلمة على الصعيد الرسمي الاسباني إلى ما لحق بالمسلمين رغم أنهم كانوا أكثر عددا من اليهود، وكان الباحث المغربي محمد بن عزوز حكيم قد وجه رسالة إلى الملك خوان كارلوس بتاريخ 2/1/2002 أيّده فيها المؤرخ الانجليزي (مسترجيبس) يطلب فيها من التاج الاسباني بأن يعتذر للمسلمين «لكي يسجل التاريخ، وتعلم الأجيال القادمة، فإننا لم ولن ننسى أبداً (مأساة الأندلس) فقد قمنا بواجبنا قدر الإمكان نحو الشعب المذكور، حيث طالبنا مرارا وتكرارا من التاج الاسباني بأن يعتذر للمسلمين على غرار ما قام به مرتين نحو اليهود السفرديين»([6]).

فهل يعتذر الإسبان للمسلمين ونحن نعيش عصرا جديدا، عصر العولمة والغزو العنكبوتي الفائق؟

الواقع أن اسبانيا تشهد اليوم صحوة في دراسة تاريخها وحضارتها القديمة وهي صحوة لصالح الحضارة الإسلامية خاصة والإنسانية عامة، علما بأن العديد من اللقاءات والندوات أقيمت وتقام في كل المدن تقريبا تمجيدا بماضيها الإسلامي وشخصياته الفذة، واعترفت الحكومة الاسبانية سنة 1992 م رسميا بالإسلام باعتباره دينا سماويا، ومنحت المسلمين وثيقة بذلك، وأصبح المسلمون يتمتعون بكامل حقوقهم كباقي أتباع الديانات الأخرى.

ويرى الدكتور علي المنتصر الكتاني أن «أهم تأثير باق، هو في الإنسان الأندلسي الذي تم تغيير سماته، وأوصافه، ودمه، وموقفه من الإسلام بالمحبة ومن الكاثوليكية التي أجبر عليها بالكراهية، فمنذ سنة 1609 م ظلت


الأديرة والكنائس، الهدف الأول لثورة الشعب عند الفتن، بل حتى التراث الصوفي الأندلسي المتظاهر بالنصرانية، بعد سقوط غرناطة، هو تراث ذو منزع إسلامي، كما بقي الإسلام حاضرا في أبسط عادات الأهالي وتصرفاتهم، ويلاحظ ذلك اليوم في القرى والمدن الأندلسية، في شعاراتها والكتيبات التي تنشرها»([7]).

أما الكاتب الاسباني والأندلسي الشهير والمعروف بتعاطفه مع الثقافة العربية أنطونيو جالا([8]) ANTONIO GALA فيؤكد بكل شجاعة وجرأة في حوار أجرته معه صحيفة LA JORNADA المكسيكية إلى أن «العرب أقاموا في الديار (الأندلسية) زهاء ثمانية قرون، وظللنا نحن نحاربهم ثمانية قرون لإخراجهم وطردهم من شبه الجزيرة الإيبيرية.. فكيف يمكن للمرء أن يحارب نفسه؟ ذلك أن الإسلام كان قد تغلغل في روح كل إسباني... إن هذه الحقيقة تصدم البعض إلا أنهم إذا عملوا النظر وتأملوا جيدا في هذا الشأن فلا بد أنهم سيقبلون هذه الحقيقة، فالبراهين قائمة والحجج دامغة..» ([9]).



القضية الموريسكية من خلال الدراسات الاسبانية

يهمنا في هذا المبحث أن نتعرف على الحالة الاجتماعية والثقافية والعلمية التي عاشها الموريسكيون عموما، والموريسكيون بالمغرب على وجه الخصوص. ونعرض هنا لكتاب الباحث الاسباني غيير موغو ثالبيث بوستو "الموريسكيون بالمغرب"([10]) وكتاب "مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492 م" لخوليو كارو باروخا([11])، وكتاب "تاريخ الموريسكيين: مأساة أقلية"، تأليف دومنغيث أورتيث برنارد فينسينت([12])، وكتاب: "شتات أهل الأندلس: المهاجرون الأندلسيون"، تأليف مرثيديس غارثيا أرينال([13]).

والسؤال المطروح هو: لماذا يتخصص الباحثون الإسبان في تاريخ المغرب العربي عموما وتاريخ المغرب الأقصى على وجه الخصوص؟ ثم لماذا العودة إلى الماضي العربي الإسلامي بالأندلس؟ هل هو الشعور بالذنب أو هو فضول علمي يستدعي العودة إلى الماضي لاسترجاع فترة تاريخية مهمة لاسبانيا؟ يجيبنا الراحل غوتالبيس بوستو على هذه التساؤلات قائلا: «إن قراءة تاريخ ضفتي مضيق جبل طارق في القرن 16 يدل على أن تاريخهما لا يمكن فصله، وعليه فإن دراسة تاريخ المغرب العربي من قبل الباحثين الإسبان ليست من باب التعرف على الآخر، بل ضرورة للتعرف على الذات».

وفي إطار هذا الاهتمام المتجدد تأتي هذه القراءة المقتضبة التي تندرج ضمن السياق العام الذي فجر كل هذا الاهتمام لدى إسبانيي اليوم بمأساة الموريسكيين وبمآلهم بعد اضطراهم للاستقرار بالمغرب.



1 - الموريسكيون في المغرب: غيير موغو ثالبيث بوستو([14])

يضم الكتاب بين دفتيه 445 صفحة، من الحجم المتوسط، أهداه صاحبه إلى مدينتي تطوان وغرناطة، ويشتمل على تمهيد وتسعة فصول، تناول في كل فصل موضوعا مفصلا عن قضية من القضايا المتعلقة بحياة الموريسكيين في المنفى وخصوصا في مدينة تطوان شمال المغرب.

ومما جاء في التمهيد الذي ركز فيه على الموريسكيين في المغرب (جوانب من حياة المنفى) بحيث لاحظ أنه توجد فترتان من المنفى الاسباني- الاسلامي في شمال افريقيا يسترعيان اهتمام المؤرخ بصفة خاصة، وهما: سقوط مملكة بني نصر وطرد الموريسكيين 1609-1614 م، بالرغم من أنهما كانا حدثين أساسيين في تحول الشعوب في كلتا الضفتين من مضيق جبل طارق، ولكن كان ينظر إليهما بطريقة انحيازية وحربية، حيث أخذت في الاعتبار المظاهر الدينية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الأحداث، من وجهة نظر واحدة فقط، ألا وهي وجهة نظر المنتصرين، بقي المنهزمون الذين تم تهميشهم فيما بعد دون تاريخ، كما يحدث عادة في كل أزمنة الأحداث الإنسانية. ولا يعني هذا أن المنفيين لم يؤثروا كثيرا في البلاد التي وصلوا إليها، ولكن لم يهتم أحد لا من هنا ولا من هناك بأن يبرز أفعالهم ولا انتصاراتهم أو فشلهم، بصعودهم أو هبوطهم، بحياتهم التي اقتلعت في النهاية بمنتهى القسوة من وطنهم، ومن ثم من عائلاتهم ذاتها. ويستعرض ظروف خروج الإسبان المسلمين الجماعي بعد سقوط غرناطة، ووصولهم إلى المغرب واستقرار العديد منهم في المنطقة الشمالية منه، وخصوصا مدينة تطوان ونواحيها والتي خصص لها الفصل الأول من الكتاب والمعنون ب "تطوان من قرن المنظري إلى عائلة النقسيس من القرن 16 إلى ق17 م"، تطرق فيه إلى الدور الحاسم الذي لعبته مدينة تطوان والتي تبعد بأربعين كيلومترا عن مدينة سبتة، في التغييرات التي حدثت في مضيق جبل طارق في كل العصور، وبالأخص بداية من إعادة تأسيسها على يد المنفيين الغرناطيين حوالي عام 1485 م بقيادة قائدهم أبو الحسن علي المنظري الذي دخل في حرب مع البرتغاليين الذين كانوا يحتلون مدينة سبتة إلى أن حصل على إذن بالاستقرار في تطوان التي أعاد تأسيس أطلالها ومنازلها وأسوارها وأبراجها، واستقبل التوافد المستمر والمكثف للمهاجرين الغرناطيين إلى أن أصبحت مدينة ذات كثافة عمرانية عالية، ومع تزايد أعداد المهاجرين وخصوصا بعد سقوط غرناطة ومحاكم التفتيش، ظهرت عائلات كبيرة وذات نفوذ، دخلت في حروب أهلية غرناطية في تطوان، ومع عائلات مغربية وفدت على المدينة من جبال الريف وجبالة من أجل السيطرة والحكم (عائلة النقسيس، الرواشد، البسطي، أولاد بو حسن، الديب والغماري وبني سراج) مما مهد لهجوم اسبانيا على القرصنة التطوانية ابتداء من القرن 16 م.

أما الفصل الثاني من الكتاب فقد خصصه المؤلف للمجتمع الغرناطي النصري في المنفى، فتناول فيه نشأة مملكة غرناطة، والمجتمع الغرناطي المؤسس على سيطرة الاستقراطية الحربية القائمة على تسلط بعض العائلات على الأخرى وظهور العصبيات التي أدت إلى التدمير والركود في البلد، يتساءل الكاتب هل انتقلت تركيبة هذا المجتمع إلى الأراضي الإفريقية عندما ساعدت الهجرة في خلق جماعات ذات حكم ذاتي ومستقلة فعليا مع إنشاء مدن ذات طابع غرناطي واضح؟ وكيف كان هذا المجتمع الغرناطي في المنفى وبالضبط بتطوان المغربية؟

يعلل الكاتب إجابته بنقص في المصادر الإسلامية والمسيحية التي تفيدنا في هذا الموضوع.

فأما المصادر المسيحية فقد تجاهلت المنهزمين عندما اجتازوا المضيق، وأما المصادر الإسلامية فقد تجاهلتهم بسبب فقر المصادر التاريخية في تلك البلاد والمشاكل السياسية والاقتصادية التي كانت تعاني منها من الوافدين الغرناطيين، ولم تهتم بهم كجماعة من المنفيين الذين استقروا في مدينة تطوان والضواحي المجاورة لها.

يحدثنا الكاتب عن الخصائص الأولية التي ميزت المجتمع الذي حاول الغرناطيون إعادة بنائه في الأرض التي استقبلتهم، حيث وجد رئيس حرْبي تجمّعت تحت قيادته مجموعة من النبلاء الغرناطيين والذين، كما ابتعد رئيسهم،


ابتعدوا هم أنفسهم عن أي حرب أهلية لا يقتنعون بها، وأي حرب دينية أخرى يعتبرونها خاسرة، وأول شيء قاموا به هو تحصين أنفسهم بالأسوار والخنادق التي أعطتهم قدرا من الأمان الذي سيمتد عبر الزمن بكل ما يعنيه من معنى، الأمر الذي جعل من تطوان مدينة غرناطية محضة. ويؤكد المؤلف هنا على الاستقبال الجيد الذي حظي به الغرناطيون من قبل السلطان ومن قبل غالبية السكان في المنطقة الشمالية، والذين كانوا: «فقط يرغبون في العيش في سلام، وكانوا يشترون هذا السلام من المسيحيين بثمن غال جدا بالتأكيد» (ص 69).

هكذا تحولت المدينة إلى حامية لعدد كبير من المهاجرين على اختلاف طبقاتهم فتكدس فيها الصناع والتجار والقضاة وكل سلسلة الطبقة الوسطى، وقرر الجميع أن يعيد بناء سور المدينة وإنشاء أحياء جديدة أكبر سعة في الغرب وفي الجنوب، وكان عليهم أن يحاربوا برا وبحرا للحصول على الغنيمة المشكلة من الأسرى والسبايا الذين كانوا يقعون في أياد القراصنة الغرناطيين الذين شكلوا طبقة حاكمة من الملاك للعبيد والاتجار فيهم.

ويمكن القول بأن القرن الأول لإقامة المورسكيين بتطوان شكل فترات ذات طابع غرناطي صافي، فيما عدا العلاقات المتفرقة مع طبقة الشرفاء في المدينة. ويتساءل المؤلف قائلا: «إذا لم يكن الأمر كذلك، فكيف نفسر أن هذه العائلات التطوانية من سلالة مملكة غرناطة لا زالت تتذكر ليس فقط بفخر، ولكن أيضا بحنين لا يقاوم أنهم وارثوا ذلك الماضي» (ص 76).

هكذا استقر في تطوان عدد كبير من الموريسكيين الغرناطيين وسكن معهم أناس من فاس فتصاهرت الأسر واختلطت، وتم تقليد العادات الغرناطية في طريقة العيش ونمط الحياة واللباس والمأكل وطريقة التحدث والكلام تطبع الجميع بالصبغة التطوانية الخاصة، حتى أصبح من الصعب التمييز بدقة بين من هو غرناطي ومن هو فاسي أو ريفي أو جبلي، انصهر الكل في بوتقة واحدة وتحت قيادة روحية واجتماعية واحدة.

أما الفصل الثالث تناول المؤلف دراسة موريسكية لأسماء الأشخاص في المغرب، وهو في اعتقادي أهم فصل يلامس قضية الموريسكيين بالمغرب، وبدأه بالحديث عن الذين سكنوا تطوان، فلاحظ أن بعض الأسماء القشتالية لعائلات كانت ولا تزال موجودة في المدينة، وأنه منذ وقت ما جمع 169 اسما لعائلات أندلسية عاشت وما زالت تعيش في المدينة، ورغم ذلك هناك انطباع بأن هذا الرقم لم يكن كاملا وإنما كان مجرد رقم بياني لهذا العدد الهائل من العائلات الإسلامية الاسبانية التي استقرت في المغرب بعد عبورها مضيق جبل طارق، وحتى دخول القرن 20 لم تكن هناك نية لجمع أسماء العائلات في مدينة تطوان يمكن أن تكون مرشدا للدراسة التي تهمنا، فخلال خمسة قرون، منذ أن بدأ الغرناطيون الهجرات الجماعية إلى المغرب وإلى الآن فقد الكثير من الأسماء الأصلية، واندثرت ولم يعد لها أثر نتيجة حروب أهلية أو انتقامية.

وأغرب ما لاحظه المؤلف في هذا السياق، أن العائلات تحتفظ بذكرى أسلافها الإسبان وذكرى الوطن البعيد، دون أن تفقد اسما مسيحيا كما هو الشأن في طوريس TORRES أو مراليس MORALES أو بايثا BAEZA أو غارسيا GARCIA. والتي لا ترتبط بأي مضمون ديني أو عنصري، ولا يفصله عن إسلامه العميق أو عن مغربيته الذاتية، كان هؤلاء الذين يذكرون أسلافهم الإسبان، فخورين بأصولهم العربية، وقد تعرف المؤلف شخصيا –عاش طويلا في تطوان- على عدة أفراد كانوا يلقبون بلقب (أندلسي) مثل (المالقي) نسبة إلى مالقة والكاثري CACERES ولورقي LORCA والركاينا REQUENA وغير ذلك من الألقاب.

وبناء على ذلك، فقد أورد مجموعة من الأسماء المغربية من أصل اسباني واعتمد في ذلك على مراجع عدة منها: عمدة الراوين في أخبار تطاوين لأحمد الرهوني، وتاريخ تطوان لمحمد داود فضلا عن إحدى محاضرات جبور عدي التي ذكر فيها أسماء أسر أندلسية ذات الأصل الاسباني في تطوان، ومحمد بن عزوز حكيم الذي نشر مؤخرا قائمة طويلة من الألقاب التطوانية ذات الأصل الاسباني، وقام بنشر قائمة تتضمن 1028 اسما (من ص 99 إلى 142).

ويستشهد المؤلف بالمؤرخ مارمول لإثبات أن العديد من المجموعات الموريسكية التي أقامت كريفيين ويقول في وصفه لمدينة مراكش أن «المسلمين الأندلسيين الذين مروا من أورخيبا Orgiva وتابرنا Tabernas وأماكن أخرى من مملكة غرناطة قد أنعم عليهم الشريف بقطع من الأراضي»(ص 96).

وأما الفصل الرابع من الكتاب فقد حصره المؤلف في الحديث عن المظاهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للموريسكيين في المغرب، وبدأ بالتمييز بين فترتين في دراسة الموريسكيين في المغرب تتزامنان مع أكبر حدثين أثرا فيهم، يتعلق الحدث الأول بسقوط آخر مملكة إسلامية اسبانية، والثاني هو الذي فرض نهاية المشكلة الموريسكية في شبه الجزيرة، بالطرد أو بسلسلة قرارات الطرد الصادرة من عام 1609 حتى 1614 م. وفي كلتا الفترتين كان يرحب بهم بحفاوة في الأراضي المغربية، بالرغم من ظهور بعض مظاهر الرفض وعدم التكيف، في كلتا اللحظتين وجد المنفيون الذين يمثلون توجهات فوضوية سياسية والذين سهلوا إقامة مجموعات مستقلة من الموريسكيين. ومن ناحية أخرى، ربما صعبوا مسالة اندماجها السريع جدا، ولم ينتفعوا بالثروة البشرية التي كانوا يمثلونها.

كثيرة هي الدراسات عن الموريسكيين في أراضي المنفى التي ظهرت في فترات مختلفة والتي أطلعتنا على القوة الحيوية الرهيبة لتلك الأقلية الإسبانية التي شكلت في أحيان كثيرة بناءات اقتصادية واجتماعية وسياسية في البلد الذي كان يؤمهم.

ولاحظ المؤلف أن قلة الاهتمام بدراسة الموريسكيين ترجع إلى قلة المصادر، فلا يوجد في التاريخ الاسباني ولا المغربي عناصر كافية تساعدنا على معرفة تطور حياة هؤلاء في وطنهم الجديد، ولهذا يجب الاستفادة من أي توثيق، وإن بدا لنا غريبا، بهدف استخراج المعلومات التي تجعلنا نكون مخططا سليما لنظرة صحيحة للموضوع الذي يشغلنا.

لقد عاش الكثير منهم في سلام على مر العصور، وتكيفوا بدرجة أو بأخرى مع الظروف الاجتماعية والاقتصادية. أما على المستوى الديني، فقد وجد أولئك الرجال عندما وصلوا إلى المغرب إسلاما خاصا مختلفا كثيرا عن الدين الذي كانوا يحاولون ممارسته سرا في شبه الجزيرة.

كما تحدث المؤلف في هذا الفصل، عن مدينتين وهما تطوان في الشمال، والرباط في الوسط كنموذج للمنفى الموريسكي في المغرب، وما تلا ذلك من أحداث تاريخية مهمة في القرنين 16 و17 م وتطورات سياسية واجتماعية واقتصادية. مستنتجا أنه: «يمكن أن تكون تطوان في الشمال والرباط في الجنوب أمثلة للمنفى الموريسكي في المغرب لم يحظ هذا المنفى بكثير من الدراسة حتى يومنا هذا» (ص 154).

ولا يشك المؤلف في كون عائلة النقسيس بتطوان قد ارتبطت بعائلات موريسكية من المدينة، ومثلت نموذجا للعبور من فترة غرناطية صافية إلى فترة أخرى تميزت باختلاط العناصر دون أن يؤدي ذلك إلى فقدان التقاليد الأندلسية القوية التي كانت تنطبع على مدى قرون في المدينة.

وفي الفصل الخامس تناول المؤلف التعايش اليهودي الموريسكي في المنفى، حيث أشار إلى أن اليهود قد تعرضوا للطرد من شبه الجزيرة، وكان مصيرهم مشتركا مع المسلمين، واستقرت طائفة منهم مدن المغرب كتطوان وفاس وشكلوا تجمعات سكنية مهمة، وشاركوا في تأسيس مدينة شفشاون وتعايشوا مع السكان الأصليين إلى جانب رفاقهم في المنفى، وذكر المؤلف ابتهاج المسلمين واليهود لهزيمة الملك سبستيان في معركة وادي المخازن، وأقام العبريون احتفالا خاصا وبرروا فرحتهم من احتمال مضايقتهم عبر محكمة التفتيش، ويؤكد المؤلف في هذا الفصل، على أن الأقلية اليهودية الاسبانية


المنفية في شمال المغرب كانت تتعرض لتقلبات المنفى دون أي تمييز فيما يتعلق بالمحن أو بالمنافع مع مواطنيهم الإسبان المسلمين، وكانوا -بالإضافة إلى ذلك- يتحركون في حرية تامة من مكان إلى آخر لكي يقوموا بمعاملاتهم التجارية بطريقة أفضل، واستمروا على ذلك لقرون، ولا يزال تجمع اليهود في مدينة تطوان يحتفظ بشهرته كواحد من أكثر التجمعات ثراء في المغرب، بالرغم من تغير الظروف من الفترة الأولى إلى الفترة الثانية من المنفى الموريسكي، ونالوا حظوة عند حكام المدينة، فقد تبوأ بعضهم مناصب مهمة داخل السلطة الحاكمة.

ومع بداية القرن 17 يبدأ عصر عائلة النقسيس، ولم تكن ديكتاتورية شخص أو أفراد متتابعين من نفس العائلة، بل كانت السيطرة السياسية والاجتماعية لهذه العائلة، خلال القرن كله في تطوان بل وفي شمال المغرب، مع بداية ازدياد المهاجرين الموريسكيين على مدينة تطوان نتيجة قرار الطرد سنة 1609-1416 م اتسعت المدينة تجاه الغرب والجنوب، فشيدت المساجد الجديدة والأسواق والحمامات والأسوار والأبراج الدفاعية والأبواب والنافورات والعديد من المباني التي شكلت شوارع، بعضها ذات طول غير مألوف، وقد تجمعت عائلة النقسيس في أحد الأحياء المجاور لشارع (المقدم) الطويل الذي سمي هكذا تخليدا له، كما أنشأوا مساكنهم في الشمال الغربي من قصبة المنظري في الفراغ الكبير أمام التحصينات، واستمروا في سيطرتهم على المدينة إلى أن أعدموا في عهد السلطان اسماعيل العلوي ودفنوا في باب المقابر بالمدينة.

لقد توقف المؤلف مليا عند العمارة الموريسكية في تطوان، من مساجد وأسواق وحمامات وأبراج دفاعية وأبواب ونافورات والعديد من المباني تعكس بدرجة دقيقة ما وصلته العمارة الموريسكية من جمال وروعة. أما على المستوى الديني فيعتبر القرن السابع عشر عصر الإنشاءات الدينية الأكثر أهمية وربما الأكثر جمالا في تطوان.



كان المغرب في بداية القرن 17 شبه معزول عن العالم الخارجي، وبوصول موجات كبيرة من المهاجرين والمرتدين إليه انتقلت إليه لمحات من التقنية الغربية التي كانت كافية لإبعاد المغرب عن الدول النامية من حيث التقدم، وكان أغلب الموريسكيين الذين وصلوا إليه سنة 1610 م من أندلوثيا وقشتالة وأكستريما دورا، وقد وصلوا في وقت كان فيه الوضع السياسي خطيرا جدا، حيث مات أحمد المنصور الذهبي وما تبع ذلك من أحداث وصراعات سياسية بين المولى الشيخ وأخيه المولى زيدان ثم لجوء الأول إلى العرائش وبعد ذلك إلى اسبانيا لطلب الدعم مقابل تسليم العرائش عام 1610 م، ثم بعد موت أخيه أصبح المولى زيدان عدو اسبانيا -الملك الوحيد-.

أما العدد الإجمالي للموريسكيين الذين وصلوا إلى المغرب فقد بلغ 40 ألفا بقي أغلبهم على مشارف سبتة وتطوان وغيرها من الموانئ القريبة من مضيق جبل طارق. وقد جنّد المولى زيدان عدة آلاف من الموريسكيين في حربه ضد أخيه المولى الشيخ وعندما هزم هرب الموريسكيون إلى الجبال، أما الذين لم يشتركوا في الحرب فقد اختلطوا بالسكان المدنيين في طنجة وتطوان والعيون وفاس وسلا والرباط.

يتحدث المؤلفان عن وجود مظاهر الفن الإسلامي الموريسكي في المغرب وهو موضوع لم يكن مطروقا في الدراسات الموريسكية. إن جزءا كبيرا من الموريسكيين قدم دلائل على حبّه الدائم للحضارة والثقافة والعمارة الإسلامية.

ففي تطوان، وهي المدينة الأكثر تمثلا للطابع الأندلسي الكبير، وهي أيضا الإقليم الأقرب إلى اسبانيا والمشابه في كثير من المجالات المعيشية ومن ناحية السلالة. فقد تم بها إنشاء حيين سكنيين (العيون والترانكات) لإقامة المهاجرين نتيجة طرد عام 1609 م، وفي ثلاثين عاما أنشأوا خمسة مساجد تحت إدارة شخصية أندلسية مهمة هي المعلم الجواعيدي وإليه ينسب أيضا إنشاء المئذنة الهيفاء لجامع العيون، ولم يقتصر أثر الفن الإسباني الموريسكي على المدن الساحلية، بل وصل حتى مدينة العيون.

أما الفصل الحادي عشر فيتناول فيه الكتاب الفضاءات والأماكن التي هاجر إليها الموريسكيون مثل فرنسا وإيطاليا وتركيا وشمال إفريقيا المسلمة.

والذي يهمنا من هذه القراءة هو هذا الجزء الأخير من المهجر الموريسكي وأعني به شمال افريقيا وبالضبط المغرب، وذلك لأن هذا البلد هو الأقرب إلى اسبانيا والمشابه في كثير من المجالات المعيشية ومن ناحية السلالة، وهو منذ زمن بعيد يستقبل جماعات من الأندلس، وكل إقليم أو مدينة احتلها المسيحيون تعني هجرة جديدة يزداد معها فقر الأندلس وغنى البلد المستقبل الذي يحتضن حرفيين وتجارا وعلماء ورجال سياسة ودولة.

أما العدوتان الرباط وسلا فقد ازدهرتا واشتهرتا مع قدوم الموريسكيين. وكان أول من وصل إليهما الهورناتشيون الذين كانوا يمثلون فريقا متماسكا من الناحية الاجتماعية إلى جانب ثباتهم على الإسلام وشجاعتهم، وقد أبحروا من اشبيلية في اتجاه سبتة حتى استقروا في تطوان، وبعد ذلك في درعة، ثم بعد ذلك انتقلوا إلى الرباط وسلا للاستفادة من كفاءاتهم السياسية والحرفية والصناعية مما أدى إلى ازدهار حقيقي في شتى المجالات. كما تمت المحافظة على بعض الألقاب العائلية وإن كانت اللغة الاسبانية لم تستعمل فإنه بقي عدد لا نهائي من الأشياء المادية والعادات التي تم ترسيخها في التربية المغربية، كما توجد أطعمة ذات أصل أندلسي وكذلك وصفات الحلوى التي تصنع من الدقيق، والعسل، أو السكر، كذلك يتجلى الأمر في واجهات البيوت المصنوعة بقوالب الطوب تذكر بمنازل المدجنين في أراغون.

وعلى الرغم من حبّهم الشديد للعزلة فإن بعض عادات الموريسكيين قد انتقلت إلى بقية السكان.


2 - مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492 لخوليو كاروباروخا([15])

يمثل هذا الكتاب أحد المراجع التي لا غنى عنها للباحث عن تاريخ الأندلس بعد عام 1492، أي بعد سقوط غرناطة الإسلامية. وتتوزع مضامينه بين عشرة فصول متكاملة، إلى جانب مقدمة تركيبية للمترجم وأخرى للمؤلف مع خاتمة مركزة. قام بترجمته والتقديم له جمال عبد الرحمن.

والكتاب يكتسب أهميته وقيمته بسبب هذا الموضوع الذي يطرحه من جهة، وبسبب شخصية مؤلفه من جهة أخرى، يعتبر باروخا أحد رواد الدراسات الموريسكية، وقد اقتفى الكثير من الباحثين أثره وساروا على نهجه، ويندر أن نجد بحثا عن الموريسكيين يخلو من إشارة أو إحالة على كتاب باروخا هذا.

في الفصل الثامن والأخير يتتبع المؤلف وضعية الموريسكيين خارج اسبانيا وبالضبط في المغرب حيث اشترك الغرناطيون الذين خرجوا بعد الثورة في معركة القصر الكبير (ص 246)، وقد اشتركوا كذلك في غزو ممالك نيجيريا بأمر من سلاطين المغرب على مدى سنوات طويلة، لقد وصل المغاربة حتى تمبوكتو بصحبة مسلمين يتحدثون الاسبانية وفتحوا المدينة الغامضة عام 1591، لقد دخل الزعيمان الباشا جودار YAWDER والباشا محمود التاريخ (ص 247) ([16]).

بعد ذلك بسنوات اصطدم المهاجمون الإسبان في عملية ميناء المعمورة بجيش من موريسكيي غرناطة، كما اشتهر بعضهم كقراصنة بمدينة سلا بالخصوص، كما اعتبر أن العنصر الاسباني أساسي في التركيبة الاجتماعية لمدينة تطوان سواء على مستوى الأسماء والألقاب والعائلات كأغزول وابن الخطيب وداود والثغري والعطار وفرج والسراج وكاستيليو... وغيرها من العائلات التي تنحدر من نسل موريسكي.

ولعل أهم جوانب هذا الفصل توقفه عند قضية التراث الإسلامي لغرناطة بعد رحيل المسلمين عنها سواء بالاختيار الطوعي أو بالنفي التعسفي، إن انتماء التراث الغرناطي بشكل أو بآخر إلى الحضارة العربية الإسلامية كان أمرا لا جدال فيه. والوثائق تؤكد ذلك. لقد كان الطابع الإسلامي أكثر وضوحا على مستوى المعمار في المدن وفي القرى حيث تبدو للناظر شبيهة بمدن وقرى الأطلسي والمناطق الجبلية بالمغرب، او على مستوى صناعة الملابس والحلي والثياب وصناعة الخزف والزراعة وغيرها. إن الرحالة الذين يأسفون على طرد الموريسكيين يجدون كثيرا من الآثار الموريسكية في كل مكان الأمر الذي يجعلنا نتكلم عن "أسطورة موريسكية" في أندلوثيا منتشرة بين الناس لدرجة توغلها في أوساط الشعب.

هناك شيء مهم لافت للنظر في هذا الكتاب هو أن المؤلف حاول جاهدا الربط بين الوضع الاجتماعي في شمال افريقيا ووضع الموريسكيين في اسبانيا وذلك بالنظر إلى استمرار حضور تجليات المكون الموريسكي في العديد من مناحي الحياة بدول شمال افريقيا وبالنظر أيضا للعمق التاريخي لهذه المناطق، ولأنساقها الذهنية والفكرية.

وعليه فإن فهم قضية مسلمي غرناطة ضروري لفهم تاريخ اسبانيا بكل أبعاده، كما أن دراسة القضية الموريسكية لا تدرج ضمن باب التعرف على الآخر، بل هي ضرورية للتعرف على الذات، لأن دراسة وفهم تاريخ


الموريسكيين هو في الواقع فهم للتاريخ الاسباني ككل، ونتذكر هنا المستعرب الاسباني سيرافين كالديرون الذي نادى في القرن 19 بدراسة الثقافة الموريسكية في الشمال المغربي للتعرف على تاريخ اسبانيا بشكل كامل وللتعرف على الجار المغربي.



3 - شتات أهل الأندلس([17]): المهاجرون الأندلسيون، تأليف مرثيديس
غارثيا أرينال([18])

إذا كانت الكتابات السابقة قد استطاعت إعادة إثارة القضايا المغيبة في القضية الموريسكية وإبراز دورها الكبير في إعادة رسم أشكال تجانس الهوية المغربية المميزة بالهوية الأندلسية الاسبانية بالإشارة إلى جانب العلاقات الطيبة التي ربطت بين مسلمين ومسيحيين في إسبانيا حتى بعد سقوط غرناطة، وكيف أن هذه العلاقات كان لها أثر في تخفيف وطأة الحياة على المسلمين الذين كانوا يتعرضون لملاحقة محاكم التفتيش، وأن الأندلس ترمز إلى ازدهار الحضارة الإسلامية وتفوقها الأمر الذي جعل الكثير يصفونها بعد ضياعها بالفردوس المفقود. إذا كانت هذه وجهات نظر أولئك الدارسين في الكتب السابقة فإن الكتاب الذي بين أيدينا الآن يقدم رؤية أخرى للأندلس، فتقدم الأندلس وتعايش أبنائه في سلام، لا يعدو -في نظرها- كونه أسطورة وأكذوبة من وحي خيال المؤلفين، وأن ما يتداول حول التعايش السلمي


والعلاقات الطيبة القائمة على التسامح والتعاطف التي كانت بين المسيحيين واليهود من جهة والمسلمين من جهة ثانية، أمر مشكوك فيه وغير صحيح، بل نرى أن أبناء الديانتين قد تعرضوا للاضطهاد والعنف والتمييز.

الواقع أن قراءة هذا الكتاب وفهمه تقتضي اعتباره جزءا لا يتجزأ من سلسلة تضم ثلاثة كتب: الكتابان الآخران هما: العلوم والتبادل الثقافي في الأندلس لماريبيل فبيرو، والأندلس والأندلسيون لمانويلا مارين، وقد نبهت المؤلفة نفسها إلى أن هذا الكتاب لا ينبغي أن يقرأ بمعزل عن الكتابين قائلة: «ويعد هذا الكتاب استكمالا لكتابين لكل من مانويلا مارين M. Marin وماريبيل فيبير M. Fierro، سبق أن أشرنا إليهما ويتعين أن لا يقرأ بمعزل عنهما، وهو يتناول جماعات مختلفة في المجتمع الأندلسي، سبق أن عاشت خارج الأندلس، وهذه المجموعات أو الجماعات أقدمها في هذا الكتاب، وقد راعيت في طرحها تقسيما تاريخيا، طبقا للزمن الخاص بكل منهما، والمناطق التي توجهت إليها كل مجموعة».

إن الهجرة إلى المغرب كانت على مدى تاريخ الأندلس، لقد كان المغرب منفذا للهرب من التوترات الداخلية، وملجأ للمتمردين أو ضحايا النكسات السياسية، لجأ إليه الفقهاء والعلماء لتلقي العلم في فاس وغيرها من المدن المغربية، كما تشير الكاتبة إلى انضمام بعض الموريسكيين إلى صفوف القراصنة وإقامتهم بعمليات إغارة إلى شبه الجزيرة.

أقام الموريسكيون بصفة أساسية في المدن الساحلية، الرباط وسلا وتطوان. وشفشاون.. وكان وجودهم في الكيانات الدفاعية وفي جيوش دول الشمال الافريقي، وعينوا في مناصب مهمة كما اشتغلوا بالتجارة والحرف اليدوية وقاموا بزراعة الأراضي، وشارك الموريسكيون في تعدد اللغات، وأصبحت الاسبانية موجودة في كل مكان نظرا لانتشارهم في مختلف مدن المغرب وخاصة في مراكش.

لقد اكتسب الغرناطيون، وقد أعادوا تعمير مواقع متعددة على ساحل المغرب المطل على الأطلسي منذ منتصف القرن الخامس عشر أهمية جديدة في ذلك الحين، ولعل أبرز مثال كان تطوان التي تمت إعادة إعمارها وتحصينها على يد مواطنين غرناطيين. الأمر نفسه ينطبق على شفشاون وغيرها.

إذن، فإن الموريسكيين الذين هاجروا إلى المغرب قبل عمليات الطرد وما بعدها، قاموا بمهام على قدر من الأهمية في جميع صور الحرب أو في عمليات القرصنة، وتعطي المؤلفة مثالا واضحا كنموذج لهذه الفئة وهو شخصية سعيد بن فرج الدكالي الذي ولد في مملكة غرناطة ثم هاجر إلى المغرب وأقام بتطوان وهناك انصرف إلى ممارسة القرصنة.

وإلى جانب تطوان، والتي كانت تحقق اكتفاء ذاتيا للموريسكيين، تمثلت أقرب المواقع أهمية في المغرب، في المحور الرباط-سلا، ففي عام 1614 م تقريبا، تقول الكاتبة: «أقامت مجموعة كبيرة من الموريسكيين، قدم القطاع الأكبر منها من قرية أورنا تشوس التابعة لإقليم اكستريما دورا عند مصب نهر بورقراق، وعلى ضفتيه الرباط من جانبه الجنوبي، وسلا من الجانب الشمالي»([19]).

احتل أهل أورنا تشوس قلعة الرباط بعد تدميرها، وأعادوا بناءها وتحصينها، وخلال السنوات التالية قدم عدد آخر من الموريسكيين الذين وفدوا من اكستريما دورا، ومن أندلوثيا على وجه الخصوص، وانضموا إلى المجموعة الأولى محتلين شمال المصب أي سلا، هذا فضلا عن تقلد الموريسكيين لمناصب مختلفة في محيط السلاطين السعديين اعتبارا من منتصف القرن 15، لعل أبرزهم أحمد بن قاسم الأندلسي الذي ولد في اكستريما دورا وإن كان قد عاش أيضا في اشبيلية ومدريد. واستقر بمراكش بعد هجرته فعيّنه مولاي زيدان سكرتيرا ومترجما للسلطان عام 1608 م، وقد قام بدور مهم في الحياة الثقافية بالمدينة.

وعلى الرغم مما حفلت به هذه الكتب والدراسات من إشارات وتلميحات إلى بعض التأثيرات الموريسكية في المجتمع المغربي عمرانيا واجتماعيا وحرفيا.. إلا أنها نادرا ما أشارت إلى التأثيرات الثقافية والأدبية والفنية، وما أكثرها بدءا بالتأثير الموريسكي في الطرب المغربي وخاصة ما كان مرتبطا بالأذكار والأوراد المنثورة والمنظومة وإنشادات صوفية الزوايا والطرق وفي طليعتها فن الملحون القائم على بعض الآلات كالمزامير والطبول والتعاريج والبنادير، وكذا آلات وترية أولية أهمها الكنبري، مما هو سائد ومعروف في العديد من المناطق المغربية. هذا فضلا عن دخول أنماط موسيقية جديدة على يد الموريسكيين كالموسيقى الأندلسية أو الآلة التي كان لها ظهور في بعض الحواضر المغربية ولاسيما فاس وتطوان والرباط وشفشاون، والطرب الغرناطي الذي حمله الموريسكيون وأشاعوه بالمغرب وخصوصا بالرباط ووجدة وغيرهما.

هذا على المستوى الفني، أما على المستوى الثقافي فقد كان الموريسكيون ميالين إلى الأناقة في الملبس حيث كانت النساء الفاسيات يتشبهن بموريسكيات غرناطة في اللباس، وقد حملن معهن إلى المغرب صناعة الحرير والصوف، وهناك العديد من الألبسة ما زالت محتفظة إلى يومنا هذا، بشكلها وتسميتها كالسلهام والبلغة والبدعية والكرزية والشاشية، كما أثر الموريسكيون في عادات المغاربة وتقاليدهم مثل احتفالهم بفاتح يناير واستعمالهم لصندوق العروس تجمع فيه لباسها وحليها وغير ذلك. كما كانت مساهمة الجالية الأندلسية واضحة جلية في الميدان العلمي والترجمة، وبفضل الموريسكيين دخلت عدة مصطلحات تقنية إلى اللغة العربية، كما تمثل هذا التأثير في انتشار الأمثال العامية الأندلسية وانتشار اللغة الاسبانية، وظهور أسماء عائلية كثيرة كما مرّ بنا في تطوان والرباط وسلا وفاس ومكناس والشاون ومراكش وآسفي.

وأخيراً وليس آخراً، تبقى القضية الموريسكية وما ترتب عنها من أحداث تاريخية مجالا مفتوحا أمام الدارسين العرب وغير العرب ومحاولة


لاكتشاف الوثائق المتعلقة بتاريخهم ومأساتهم وحياتهم الجديدة في المنفى، أهم ما يمكن أن يسلط الضوء أكثر على هذه القضية الاجتماعية التي طرحت العديد من التساؤلات فيما أنجز عنها من أبحاث ودراسات، لأن أربعة قرون من الزمن بعد سقوط الأندلس وقرار الطرد النهائي يجب أن لا يبقى كذكرى نسترجعها كل سنة، بل كمناسبة لقراءة تاريخنا من جديد وأخذ العبرة منه، والزيادة في البحث والتنقيب عن كل ما يتعلق بحياة هؤلاء الذين عاشوا بجانبنا كأقلية تركت منازلها وديارها في العدوة الأندلسية ثم استطاعت أن تنصهر وتذوب داخل النسق الاجتماعي الجديد سواء في المدن أو القرى وأثرت فيهما ذلك التأثير البيّن الذي ما زال إلى يومنا هذا.


([1]) طبع سنة 1843.

([2]) طبع الكتاب الأول سنة 1975 والثاني سنة 1978.

([3]) أنظر ذلك بالتفصيل في كتاب "الموريسكيون الأندلسيون والمسيحيون: المجابهة الجدلية 1492-1640 م"، الدكتور لوي كارديالك، تعريب وتقديم الدكتور عبد الجليل التميمي، ص. 145-166.

([4]) نقلا عن جريدة "العلم" المغربية، عدد 24/2/1992، ص. 8.

([5]) أنظر كتاب: محنة الموريسكوس في اسبانيا، محمد قشتيلو، صص. 17-18.

([6]) أنظر صحيفة "الشمال"، عدد 499، أكتوبر 2009، ص. 5.

([7]) أنظر كتاب الأمة: الصحوة الإسلامية في الأندلس اليوم جذورها ومسارها، عدد 31، ص. 71.

([8]) أنطونيو جالا: من مواليد قرطبة، أبدع في الشعر والمسرح والرواية وفي الصحافة، اشتهر بعموده الذي اعتبر من أشهر الأعمدة المقروءة في الصحافة الاسبانية إضافة إلى برنامج تلفزيوني كان يذاع بالقناة الأندلسية CANAL SUR.

([9]) قام بترجمة هذا الحوار إلى اللغة العربية الأستاذ محمد محمد الخطابي، ونشر في جريدة "الشرق الأوسط"، عدد 5168 يوم 21 يناير 1993، ص. 23.

([10]) ترجمة مروة محمد ابراهيم، مراجعة د.جمال عبد الرحمن، المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، سنة 2005.

([11]) ترجمة وتقديم: جمال عبد الرحمن، ط.1، 2003، المشروع القومي للترجمة، العدد: 597.

([12]) ترجمة عبد العال صالح، مراجعة وتقديم: جمال عبد الرحمن، ط. 1، 2007، المشروع القومي للترجمة، العدد 1026.

([13]) ترجمة محمد فكري عبد السميع، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن، ط. 1، 2006، المشروع القومي للترجمة، العدد 1085.

([14]) عاش هذا الكاتب في مدينة تطوان أستاذا ومديرا للمكتبة الاسبانية، ثم انتقل إلى مدينة غرناطة التي عمل بها أستاذا للتاريخ بجامعتها، له العديد من الكتب والأبحاث حول تاريخ المغرب العربي وعلاقته بإسبانيا، كما شارك في العديد من المؤتمرات الدولية التي عقدت حول تاريخ العصور الوسطى والموريسكيين.

([15]) عالم الاجتماع المعروف في إسبانيا وأروبا، صاحب مؤلفات عديدة في تخصصه منها: "تزييف التاريخ"، "محاكم التفتيش والشعوذة"، "إقليم نابارا في القرن 18"، "اليهود في اسبانيا في العصر الحديث"، "مسلمو مملكة غرناطة بعد عام 1492" الذي ترجمه وقدم له جمال عبد الرحمن، المجلس الأعلى للثقافة، ط.1، 2003، العدد 957، هذا إلى جانب عدد كبير من المقالات والمحاضرات المنشورة في مجلات علمية، والمؤلف كان أستاذا بجامعة مدريد ومديرا لمتحف الشعب الاسباني، وكان عضوا بأكاديمية اللغة الاسبانية وبالأكاديمية الملكية للتاريخ، حصل على أرفع الجوائز العلمية التي تمنحها الحكومة الاسبانية، جائزة الدولة في الآداب وجائزة أمير أستورياس في العلوم الاجتماعية.

([16]) في ملحق الكتاب:

Jiménez de la Espadac, Libro del conocimiento de todos los reinos… Madrid 1877, P:689.

هناك وثائق هامة حول هذه الأحداث، في الوثيقة الأولى يذكر أن القائد جودار كان مسلما من كويباس بمملكة غرناطة، وقد اصطحب معه ألفا من حملة البنادق الأندلسيين، ممن رحلوا من مملكة غرناطة وهم أناس يعهد إليهم السلطان بحراسته وهم أشجع المسلمين.

([17]) ترجمة محمد فكري عبد السميع، مراجعة وتقديم جمال عبد الرحمن، المجلس الأعلى للثقافة، مصر، العدد 1085، ط. 1، 2006.

([18]) مرثيديس غارثيا أرينال: أستاذة بالمجلس الأعلى للبحث العلمي في اسبانيا، ورئيسة قسم اللغة العربية به لعدة دورات، من أبرز المتخصصات في الدراسات الموريسكية، لها العديد من الكتب والمقالات المنشورة في اسبانيا وغيرها حول العلاقة بين المغرب واسبانيا، أشرفت على العديد من الرسائل الجامعية المقدمة إلى جامعة مدريد المركزية.

([19]) المرجع نفسه، ص. 163. - See more at: http://www.tetouan24.com/news.php?extend.2580#sthash.GGPYHBl6.dpuf



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouan24.com/news2628.html
نشر الخبر : هيئة التحرير
عدد المشاهدات عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات