موقع أخبار تطوان 24
آخر الأخبار :

مشروع كتاب دولي دراسات معجمية ومصطلحية

منسقة الكتاب: الدكتورة: ربيعة برباق، جامعة العربي التبسي، تبسة.

الديباجة:
إن عد اللغة نظاما (système) من العلاقات التي تربط العلامات اللسانية ربطا عضويا وفق نسق معين، تحدده القوانين الصوتية والصرفية والتركيبية، يجعل دراسة مستوى المعجم (lexique) يطرح جملة من الإشكاليات اللسانية، مقارنة بالأنظمة اللغوية الأخرى (النظام الصوتي، النظام الصرفي، النظام التركيبي). وبما أن اللغة هي النظام الكلي الذي ترتبط ضمنه الأنظمة الجزئية ببعضها البعض ارتباطا وثيقا، فإن دراسة جزء منها ينطلق من النظر في علاقاته مع الأجزاء الأخرى ومكانته بينها.

ولما كان المعجم جزءا من اللغة، بل جزءا مهما منها، كان من الغرابة أن يوصف في بعض الدراسات بكونه خارج النظام اللغوي، بدعوى أن الوحدات المعجمية غير مؤهلة كي تدرج ضمن نظام خاص بها، مثل ما هو حال الوحدات الصوتية والصرفية والتركيبية – كما فعل اللساني الأمريكي (Leonard Blomfield) ومن تبعه من اللسانيين الأمريكان مثل تشومسكي (Noam Chomsky) في بداية نظريته التوليدية التحويلية، وبعض اللغويين العرب المحدثين المتأثرين به، أمثال “تمام حسان: و”رشاد الحمزاوي”– وذلك لمجرد تميز الوحدات المعجمية بخاصية التطور؛ حيث تسقط وحدات من الاستعمال، وتتولد وحدات أخرى جديدة، لم تعرفها اللغة من قبل، معتقدين أن النظام مرهون بصفة الثبات.

لكن وإن كانت هذه الخاصية أكثر بروزا على مستوى المعجم، فإننا لا نعدم وجودها في بقية مستويات اللغة (صوتها، وصرفها، نحوها) مما يؤثر بالضرورة على المستوى الدلالي. ولا يمكن تجاهل هذه الخاصية الجوهرية من خصائص اللغة، ألا وهي خاصية التطور أو التغير، والتي أقر بها معظم اللغويين قديما وحديثا.

أما نفيهم لنظامية المعجم في اللغة بالنظر إلى كون العلاقة بين الألفاظ ومعانيها مبنية على الاصطلاح والعرف، فمردود عليهم، لأن الاصطلاح والعرف ميزة شاملة للغة بمفرداتها وتراكيبها ودلالاتها، وليس حكرا على المستوى المعجمي منها، فمثلا ما تواضع عليه العرب من أصوات في لغتهم، لا يطابق كليا ما تواضعت عليه الجماعات اللغوية الأخرى، فالعين والقاف، والضاد، وغيرها، غير متواضع عليها في لغات كثيرة، كالفرنسية والانجليزية، على سبيل المثال لا الحصر.

ورغم هذا الإقصاء الذي شهده المعجم في المراحل الأولى من الدرس اللساني الحديث، ظهرت نظريات لسانية جديدة تحاول إعادة الاعتبارإليه، وبيان أهميته في التحليل اللساني، بعده مستوى أساسا في اللغة لا يمكن دراستها بعيدا عن النظر فيه.

وتدعو هذه الدراسات إلى ضرورة التمييز في البحث اللساني المعجمي بين المعجم بصفته كتابا مدونا، والمعجم بصفته مستوى من مستويات اللغة.

فالأول، أي المعجم المدون ينظر إليه بصفته كتابا جمعت فيه مفردات اللغة، وفق ترتيب معين يختاره صاحبه، مع وضع الشروح والتعريفات والأمثلة… بما يلائم أغراضه… وهو لا يتعدى كونه جهدا بشريا، الهدف منه إيجاد وسيلة مادية تحفظ فيه مفردات اللغة لأغراض معينة، كالغرض الديني، والغرض العلمي أو التعليمي، والغرض السياحي…الخ

ويطرح المعجم المدون مشكلات كثيرة، مثل: اختلاف نمط الوحدات المعجمية التي تمثل مداخل المعجم، وتعدد المعنى المعجمي واحتماله، في ظل عموم هذه الوحدات، وعدم نسبتها إلى زمانها ومكانها، للتمييز بين المعنى الآني والمعنى التطوري، وغير ذلك من القضايا.

أما الثاني أي المعجم بصفته مستوى من مستويات اللغة، فوحداته تمثل المكون الأساسي للغة، وهي المفردات، بالإضافة إلى كونها تشير إلى معاني معجمية، تقوم بوظائف لغوية على مستوى التراكيب، وبالنظر في دلالة هذه المفردات وصيغها وأصواتها ومواقعها يمكننا الحكم على صحة التراكيب النحوية.

ويمثل المعجم بهذا المفهوم مجموعة من الحقول التي تنتظم حسب دلالاتها المحددة مسبقا واصطلاحا، وهو المبدأ الذي قامت على أساسه نظرية الحقول الدلالية في الدراسات اللسانية الحديثة، والتي تعد من النظريات اللغوية التي دافعت عن نظامية المعجم، ضد الذين وصفوه بالشذوذ والاضطراب، وبينت أن المعجم يمكن أن ينتظم في جداول تحكمها علاقات رأسية وأخرى أفقية كغيره من أنظمة اللغة.

وقد تطورت هذه الفكرة في ظل النظرية التحليلية التكوينية، التي تعتبر المفردات كيانات دلالية قابلة للتحليل الجدولي، بالنظر في سماتها الدلالية الصغرى، وتصنيفها إلى سمات مشتركة وأخرى مميزة، عن طريق المقابلة بينها، تماما كما نقابل بين الوحدات الصوتية وسماتها.

فالمعجم من هذا المنطلق يمتاز بتركيب هيكلي، متكون من أبنية لغوية ذات دلالات عامة، تتحدد داخل الحقول المعجمية، ودلالات جزئية، تتحدد بعد إقامتها لعلاقات عضوية (تركيبية) فيما بينها، وتلك العلاقات بالإضافة إلى السياق الذي لا تقل أهميته في توجيه دلالة المفردات ووظائفها، في صورة من التكامل الضروري بين أنظمة اللغة المختلفة.

ويطرح المعجم على هذا المستوى اللغوي قضايا تختلف عن تلك التي يطرحها المعجم المدون؛ مثل علاقة المعنى المعجمي بالمعنى السياقي، أو النحوي، والعلاقة بين الوحدات المعجمية والقواعدية، وطرائق التوليد المعجمي كالتعريب، والاشتقاق، والوضع، والاقتراض، وغير ذلك.

وفي ظل هذا التمييز بين المفهومين نشأ علمان معجميان: أحدهما قديم في حلة جديدة، أطلق عليه مصطلح (lexicography) وترجم إلى صناعة المعاجم، أو علم المعاجم التطبيقي، ويضطلع بدراسة تقنيات ومراحل صناعة المعجمات، من جمع للمادة اللغوية، وتصنيفها حسب طبيعتها (مادة لغوية عامة، مادة لغوية متخصصة، أو مادة لغوية موسوعية) أو حسب حقولها الدلالية أو المعجمية، وكذا وضعها تحت مداخل خاصة بها، بعد اختيار نوع المداخل، والترتيب الملائم لها ولمستعمليها، ثم وضع الشروح والتعريفات، ودعمها بالأمثلة والاستعمالات، بما يناسب توضيح الدلالات، ويتلخص كل ذلك في عمليتين أساسيتين سماهما القدماء بعمليتي الجمع والوضع.

كما تشتمل صناعة المعاجم وضع المقدمات، والملاحق النحوية والصرفية، وبعض الكتابات الصوتية، والرموز المستعملة، والاستعانة بالصور والوسائل التوضيحية اللازمة.

وثانيهما مصطلح (lexicology) وترجم إلى علم المعاجم النظري، أو المعجمية النظرية، وهي التي تكتفي بتقديم الأسس والمبادئ والتعريفات والنظريات التي تتعلق بالمفردات باعتبارها وحدات لسانية.

وقد أصبح مصطلح “المعجمية” مصطلحا جامعا لنظرية المعجم، وصناعة المعاجم، وما يتصل بهما من دراسات، مثل: علم المفردات، وعلم الدلالة، وعلم المصطلح، الذي يفضل الكثير من اللسانيين تسميته بالمعجمية المتخصصة، ويعدونه فرعا من المعجمية العامة، بوصفه يتناول بالدراسة نوعا خاصا من المفردات، وهي المفردات المستعملة في مجالات علمية أو فنية بعينها، لها دلالات وخصائص تميزها عن المفردات العامة، دراسة لا تختلف عن تلك التي يجريها اللغويون على مفردات اللغة العامة، بجمعها ووضعها وتصنيفها وشرحها وتعريفها، وغيرذلك من القضايا التي تتعلق بها، مثل: ترجمتها وتعريبها، وتصنيفها في معجمات متخصصة، ورقية أو إلكترونية.

ومع تشعب القضايا المصطلحية أو علم المصطلح، ميز الدارسون بين فرعين منه: فرع نظري وآخر تطبيقي، في تمييز يشبه تماما تمييزهم بين علم المعاجم النظري وعلم المعاجم التطبيقي، حيث جعلوا دراسة العلاقة بين المفاهيم العلمية المجردة والألفاظ اللغوية التي تدل عليها، ضمن أنظمتها الاصطلاحية وخصائصها الشكلية والدلالية، تحت عنوان علم المصطلح النظري (Terminology)، وجعلوا طرائق وضع هذه المصطلحات، وشرحها وجمعها وشرحها في دواوين خاصة، من قبيل صناعة المصطلح وتوثيقه (Terminology).

والواضح أن كلا العلمين –المعجمية والمصطلحية- يتصلان بعلم الدلالة، لأن دلالة الوحدات المعجمية – بنوعيها اللغوي والاصطلاحي – هو الشغل الشاغل لهما، مهما اختلفت طبيعة هذه الدلالة أو تغير مجالها. لذلك فإن عدهما من فروع علم الدلالة عند بعض اللسانيين ليس بالأمر الخاطئ، إذا ما انطلقنا من كون علم الدلالة يهتم بكيفية حمل الألفاظ لمعانيها، بغض النظر عن طبيعة هذه الألفاظ وطبيعة هذه المعاني.

لذلك فإنهما يكتسيان أهمية بالغة في الدراسات اللسانية الحديثة، لما يطرحانه من قضايا شائكة تستحق الدراسة، على مستوى اللسانيات النظرية، وما يقترحانه من آليات إجرائية على مستوى اللسانيات التطبيقية، خاصة بعد التطورات العلمية التقنية الحديثة، وظهور اللسانيات الحاسوبية، والترجمة الآلية، والبنوك الآلية، والمعجمات الإلكترونية.

وبناء على كل ما ذكرناه اقترحنا على الباحثين المتخصصين في هذا المجال استكتابا جماعيا في الدراسات المعجمية والمصطلحية، مساهمة منهم في دفع عجلة البحث المعجمي والمصطلحي، نحو إيجاد حلول فعلية لما يطرحه هذا المجال البيني الرحب والمتشعب، من إشكالات لا تزال بحاجة إلى تضافر الجهود من أجل تحقيق الغايات التي لا تحتمل التأجيل، في عصر يتسم بسرعة التطور العلمي والتكنولوجي، الذي يشهده العالم الغربي، وانجر عنه انتقال علمي سريع ونوعي، من عالم التدوين الورقي والبشري إلى العالم التدوين الآلي والالكتروني.

وفي الوقت الذي تسير فيه المعجمية والمصطلحية الغربية في خطى ثابتة وسريعة لا تزال مجهودات العرب تناقش قضايا شائكة طرحت منذ عقود ولا تزال تطرح دون حلول فعلية، مثل المعجم التاريخي للغة العربية، الذي ما يزال مجرد حلم، وتفاقم أزمة المصطلح العربي، في ظل الغزو المصطلحي الغربي، وتحدي الحفاظ على اللغة العربية الفصيحة، في ظل الغزو اللغوي والثقافي الغربي، وبقاء معظم التوصيات والاقتراحات التي تمخضت عنها المجامع اللغوية والمؤتمرات العلمية حبرا على ورق، في ظل غياب سياسة لغوية راشدة، وإرادة اجتماعية صادقة.

http://diae.net/60022/



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://tetouan24.com/news7537.html
نشر الخبر : هيئة التحرير
عدد المشاهدات عدد المشاهدات
عدد التعليقات : التعليقات
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
التعليقات